عبد القادر السلوي
866
الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب
« 1 » روى عبد الله بن عمرو بن العاص « 2 » عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال خرجت في الجاهلية بتجارة إلى الشام ، فنزلت في بعض الطريق لقضاء حاجة ، وتقدّمتني القافلة ، فإنّي لكذلك إذ أقبل راهب على أتان له قد خرج من بعض الدّيارات يريد فلسطين وهو يلهث عطشا وكان يوما صائفا ، فسلّم علي واستسقاني ماء ، ولم يكن معي غير فضلة في إداوة « 3 » معلّقة على كفل « 4 » الفرس فآثرته بها ، وتبيّن له ذلك ، فشكر لي فعلي ، وشكا تعبا لحقه ، وأنّه يريد النّزول والراحة قليلا وهو خائف من الوحدة وفساد الطّريق ، وكأنّه أراد الأنس ، فقلت له : انزل فإنّي أونسك ولا أتركك ، وكنت عارفا بالطريق ، وعرّجنا إلى ظلّ شجرة أرز فعرّسنا تحتها . وقلت أعينه وأنا الحق القافلة بعد تعريسها بساعة « 5 » ، وكان له غلام ورحل قد تأخّر عنه ، فكان مع ذلك ينتظره ، فلمّا نزلنا استلقى على جنبه ونام ، فركبت فرسي أتطلّب بعض الحساء « 6 » التي كنت أعرفها لأملأ إداوتي منها ، فوجدت واحدة منها فملأت الإداوة ، ورجعت والرّاهب نائم بحاله ، وإذا بثعبان عظيم يسير إليه لينهشه ، فاخترطت سيفي ونزلت إليه فلحقته ، وقد كاد ينقره فقتلته ، وجلست أخفر الراهب إلى أن قام وقد استراح من تعبه ، فعرضت عليه الماء فشرب . ونظر إلى الثّعبان فهاله أمره فعرّفته أنه قصده وأني قتلته فشكر ، وقال : قد أحييتني مرّتين ، ووجب حقّك عليّ لأنّك حبست نفسك عليّ ونزلت معي حتى
--> ( 1 ) من بهجة المجالس 2 / 158 - 162 والخبر في حسن المحاضرة 1 / 45 - 47 ببعض الاختلاف . ( 2 ) هو أحد الصحابة العباد الورعين ، كان حافظا عالما قرأ القرآن واستأذن النبيّ صلّى الله عليه وسلم في أن يكتب حديثه ، فأذن له . كان يصوم يوما ويفطر يوما . ويقوم الليل ، شهد مع أبيه صفين طاعة له لكنه لم يشارك في الحرب ، كان يعرف السريانية ( - 63 ه ) المعارف 286 - 287 وأنساب البلاذري 168 - 169 والاستيعاب 3 / 956 - 959 . ( 3 - 4 ) الإدارة : إناء صغير من جلد يتّخذ للماء . الكفل ما اكتفل به الراكب ، وهو كساء يعقد طرفاه ثم يلقى مقدمه على كاهل الدابة ومؤخّره على عجزها . ( اللسان : إدا ، كفل ) . ( 5 ) أب ج ش ه و : ساعة ، وهو غلط ، والتصحيح من بهجة المجالس 2 / 58 . ( 6 ) الحساء جمع حسي وهو حفيرة قريبة القعر أسفلها حجارة وفوقها رمل ، فإذا أمطرت اجتمع الماء تحت الرمل فيمنع الرمل حرّ الشمس ، فإذا نبش الرمل نبع الماء باردا عذبا ( اللسان : حسا ) .